أحمد بن محمد مسكويه الرازي
156
تجارب الأمم
المبتلى [ 143 ] به يسيرا . ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء . ولم يكن يكافئ على حسن البلاء . وكان يعتدّ بالخسيس من العرف إذا أولاه ويستجزل ذلك . فإن جسر على كلامه أحد في أمر قال له : - « ما قدر جعالتك [ 1 ] في هذا الأمر الذي كلَّمتنا فيه ، وما الذي بذل لك ؟ » وما أشبه ذلك . فلقى الناس منه عنتا . فلما اشتدّت بليّته ، وكثر إهانته للعظماء ، وحمل على الضعفاء ، وأكثر من سفك الدماء ، اجتمعوا وتضرّعوا إلى ربّهم في تعجيل إنقاذهم منه . فتزعم الفرس : أنه كان مطَّلعا من قصره ذات يوم إذ رأى فرسا عائرا [ 2 ] لم ير مثله قطَّ في الخيل ، حسن صورة وتمام خلق ، حتى وقف على بابه ، فتعجّب الناس منه ، لأنه كان متجاوز الأمر [ 3 ] . فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه . فحاول ساسته وأصحاب مراكبه إلجامه وإسراجه ، فلم يمكّن أحدا منهم من نفسه . فخرج بنفسه إلى الموضع الذي فيه الفرس ، فألجمه بيده وأسرجه ولَّينه [ 4 ] فلم يتحرّك ، فلمّا استدار به [ 144 ] ورفع ذنبه ليثفره [ 5 ] ، رمحه الفرس على فؤاده رمحة هلك منها مكانه ، ثم لم يعاين ذلك الفرس . فأكثرت الفرس في حديثه وظنّت الظنون . وكان أحسنهم مذهبا من قال : « إنما استجاب الله دعاءنا » . ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه : بهرام جور [ 6 ] وكان أسلمه يزدجرد إلى المنذر بن النعمان ليربّيه في ظهر الحيرة ، لصحّة
--> [ 1 ] . مط : جمعا إنك ! بدل : جعالتك . [ 2 ] . عار : ذهب وجاء متردّدا . [ 3 ] . في الطبري : متجاوز الحال . [ 4 ] . مط : وكتبه ! [ 5 ] . أثفر الدابة : شدها بالثفر : سير في مؤخر السرج يشدّ على عجز الدابة تحت ذنبها . [ 6 ] . أنظر الطبري 2 : 845 .